أرسطو
9
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
الملاحظة متوافرة في نفسه ؟ لما ذا يسأل غيره عما هو تحت يده ؟ ولما ذا يستعير أضواء خارجة عنه متى كان لديه ما هو آكد وأسطع منها ألف مرة ؟ وما انخدع « كنت » إلا حيث رفض علم النفس ( البسيكولوچيا ) على نحو ما رفض التجربة . فمن أي ينبوع يستسقى إذا كان يجد أن ينبوع علم النفس غير صاف بقدر الكفاية ؟ إنما هو يقصد قصد المنطق أو قصد ما وراء الطبيعة ، وهما ليسا من الحق إلا بمقدار ما يستندان إلى علم النفس وصوره المعينة . فعدم الوثوق به انما هو تعرّض لخطر الضلال ، وإدخال على علم الأخلاق بعض شئ من تلك اللاأدرية الطائشة التي قد مزقت تحت لباس النقد والتبصر أعز معتقدات العقل الانساني تمزيقا . وفي ذلك زعزعة « العقل العملي » كما قد زعزع « العقل المجرّد » . ولا خروج من هذا الخطر الشنيع إلا بغرائب المتناقضات التي لا طائل تحتها . كلا ، فان علم الأخلاق لا يمكن أن يرجع فيه إلى أعمال العالم الذي يتعدّى حدوده ذلك العلم غالبا ، ولكنه يخطئ بارتكانه إلى ذلك المنطق الذي هو نفسه يمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص غالبا ، على نحو ما تختلف التجربة نفسها . إنما يجب على علم الأخلاق أن يولى وجهه شطر الضمير وحده ، فان الصوت الذي يسمعه منه يكون دائما من الرنّانية بحيث لا يمكن البتة إنكار نبراته الحقيقية . وما دام هذا الصوت يكفى على الغالب - إن لم يكن دائما - في أن يضمن للانسان الفضيلة ، فسيكفيه على أيسر من ذلك أن يحقّ له الحق متى عرف كيف يبحث عنه بانتباه نظر وسلامة قلب . بدون المشاهدة البسيكولوچية لا يتحقق علم الأخلاق أو يكون علما تحكميا . ذلك هو المبدأ الاسمي للنمط الذي يجب اتباعه في هذه المباحث الدقيقة .